الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

251

تفسير روح البيان

القرآن انتهى يقول الفقير فيه حجة على من أنكر من أهل عصرنا جهر آية الكرسي أعقاب الصلوات وأوجب إخفاءها وتلاوتها لكل واحد من الجماعة وذلك لان استماع القرآن أتوب من تلاوته فإذا قرأ المؤذن واستمع الحاضرون كانوا كأنهم قرأوا جميعا وإذا جاؤ وصول ثواب القراءة والاستماع جميعا إلى الميت فماظنك بالحي أصلحنا اللّه وإياكم ( وروى ) ان بعض النساء توفيت فرأتها في المنام امرأة كانت تعرفها وإذا عندها تحت السرير آنية من نور مغطاة فسألتها ما في هذه الأوعية فقالت فيها هدية أهداها إلى أبو أولادي البارحة فلما استيقظت المرأة ذكرت ذلك لزوج الميتة فقال قرأت البارحة شيئا من القرآن وأهديته إليها وفي الحديث إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله الا من ثلاث صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له قال القرطبي القراءة في معنى الدعا وذلك صدقة من الولد ومن الصاحب والصديق والمؤمنين قال ابن الملك في شرح الحديث ( إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله ) اى تجدد الثواب له ( الا من ثلاث صدقة جارية ) كالأوقاف ( أو علم ينتفع به ) قيل هو الاحكام المستنبطة من النصوص والظاهر أنه عام متناول ما خلفه من تصنيف أو تعليم في العلوم الشرعية وما يحتاج اليه في تعلمها قيد العلم بالمنتفع به لان مالا ينتفع به لا يثمر اجرا ( أو ولد صالح يدعو له ) قيد بالصالح لان الاجر لا يحصل من غيره واما الوزر فلا يلتحق بالأب من سيئة ولده إذا كانت نيته في تحصيل الخير وانما ذكر الدعاء له تحريضا للولدلان الاجر يحصل للوالد من ولده الصالح كلما عمل عملا صالحا سواء دعا لأبيه أولا كمن غرس شجرة يحصل له من أكل ثمرتها ثواب سواء دعا له من أكلها أو لم يدع وكذلك الام قال بعض الكبار النكاح سنة نبيك فلا ترغب عنه واطلب من اللّه من يقوم مقامك بعد موتك حتى لا ينقطع عملك بموتك فان ابن آدم إذا مات انقطع عمله الا من ثلاث صدقة جارية أو علم بثه في الناس أو ولد صالح يدعو له وفي لفظ الصدقة الجارية إشارة إلى أفضلية الماء ولذا حفر سعد بئرا لامه فان قلت ما التوفيق بين هذا الحديث وبين قوله عليه السلام من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها واجر من عمل بها إلى يوم القيامة وقوله عليه السلام من مات يختم على عمله الا المرابط في سبيل اللّه فإنه ينموله عمله إلى يوم القيامة قلنا السنة المسنونة من جملة العلم المنتفع به ومعنى حديث المرابط ان ثواب عمله الذي قدمه في حياته ينمو إلى يوم القيامة واما الثلاثة المذكورة في الحديث فإنها اعمال تحدث بعد وفاته لا تنقطع عنه لأنه سبب لها فليحقه منها ثواب والحاصل ان المراد بهذا الحديث عمله المضاف إلى نفسه فهو منقطع واما العمل المضاف إلى غيره فلا ينقطع فللغير أن يجعل ماله من أجر عمله إلى من أراد وقال بعضهم في الآية ليس كل عمل للانسان انما بعضه اللّه مثل الصوم كما قال الصوم لي وأنا أجزى به فثوابه فضل اللّه وهو رؤيته وتمسك بعض العلماء بهذا الحديث وظن أن الصيام مختص بعامله موفر له اجره لا يؤخذ منه شيء لمظلمة ظلمها وهذا القول مردود فان الحقوق تؤخذ من جميع الأعمال صياما كان أو غيره وقيل إن الصوم إذا لم يكن معلوما لاحد ولا مكتوبا في الصحف هو الذي يستره اللّه ويخبأه لعامله حتى يكون له جنة من العذاب فتطرح أولئك عليه سيئاتهم فتنصرف